الشريف المرتضى

403

الذخيرة في علم الكلام

خبر عن ماض ، وخبر عن مستقبل . فالأول الاخبار عن أحوال الأمم السالفة ، والثاني مثل قوله تعالى لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ « 1 » ، وقوله تعالى ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ « 2 » ، وأمثال ذلك من الأخبار التي وقعت مخبراتها موافقة للاخبار عنها . فأما القسم الأول : فهو خبر عن أمور كائنة ومشهورة شائعة ، وذلك لا يسمّى خبرا عن غيب ، وليس في ذلك إلا ما يمكن المخالف أن يدّعي أنه مأخوذ من الكتب أو من أفواه الرجال . فإذا قيل : لو كان ذلك لظهر وانتشر قيل : يمكن أن يقع على وجه من الخفاء لا يظهر . ثم أكثر ما يدّعى في وجوب ظهور ذلك لو كان عليه الظنّ ، فأما العلم اليقين المقطوع به فلا يجب حصوله . والقسم الثاني : إنما يكون دالا إذا وقع عن مخبر مطابق للخبر وقبل أن يقع ذلك لا فرق في الخبر بين أن يكون صدقا أو كذبا ، ومن المعلوم أن الحجة بالقرآن كانت لازمة قبل وقوع مخبرات هذه الأخبار . وأما من ذهب في اعجازه إلى زوال الاختلاف عنه والتناقض مع طوله ، وادّعى أن ذلك مما لم يجربه العادة في كلام طويل بمثله . والذي يبطل قوله : إنه لا شبهة في أن ذلك من فضائل القرآن ومن آياته « 3 » الظاهرة ، لكنه لا ينتهي إلى أن يدّعى أنه وجه اعجازه وأن العادة انخرقت به ، لأن الناس يتفاوتون في زوال الاختلاف والتناقض عن كلامهم ، وليس يمتنع أن يزول عن الكلام ذلك كله مع التيقظ الشديد والتحفظ التام . فمن أين لمدعي ذلك

--> ( 1 ) سورة الفتح : 27 . ( 2 ) سورة الروم : 1 - 3 . ( 3 ) في النسختين « آياه » .